رهانات الملتقى الثاني بالدار البيضاء للنحت والخزف: من الاحتفاء إلى بناء المعنى بقلم ذ. مصطفى بخشي
رهانات الملتقى الثاني بالدار البيضاء
للنحت والخزف: من الاحتفاء إلى بناء المعنى
بقلم ذ. مصطفى بخشي
في رحاب كاتدرائية القلب المقدس، تحتفي جمعية اتولييه آثار ارت، بالتعاون مع المدرسة العليا للفنون الجميلة، بإبداع عالمي متنوع من خلال معرض جماعي يضم اعمالا نحتية وخزفية لفنانين من جنسيات متعددة. هذه الاعمال لا تعرض فقط كمنجزات نهائية، بل تفتح امام المتلقي كسؤال متواصل حول المادة والزمن والهوية، كما تستكشف الدور الجمالي للفن في عصرنا المعاصر.
تُعد الدورة الثانية لملتقى النحت والخزف محطة جديدة تؤكد تحول الملتقى من مجرد تظاهرة إلى مشروع ثقافي متراكم، حيث يلتقي الفكر بالإبداع في فضاءات الحوار والتجريب. ويُعزى فضل نجاح هذا الحدث إلى الهيئة رباعية الأركان: الفنان مصطفى الغزلاني رئيسًا للملتقى، والفنان سعيد كيحيا مديرًا للملتقى، والفنان ابراهيم الحيسن مديرا فنيا، والدكتور عبد الله الشيخ منسقًا عامًا.هذا المعرض ليس مجرد عرض، بل تجربة تفاعلية تتجاوز حدود المادة، لتعيد طرح الاسئلة الكبرى حول الفن والجمال والهوية، وتؤكد على قدرة الفن المعاصر على خلق حوار مستمر بين الماضي والحاضر والمستقبل.
من الاحتفاء الى بناء الذاكرة الفنية
يكتسب التكريم في هذا الملتقى معنى يتجاوز طقوس الاعتراف الرمزي، ليغدو فعلا نقديا يعيد ادراج التجارب المؤسسة داخل راهن الممارسة التشكيلية. فاختيار الاحتفاء بمساري الفنان عبد الحق السجلماسي والفنان عبد الكريم الوزاني لا يندرج ضمن منطق الاسترجاع التاريخي، بل ضمن قراءة حية لتجربتين اسهمتا في إعادة تعريف النحت المغربي، سواء من حيث العلاقة بالمادة او من حيث الرهان على التجريب.
ان التكريم هنا لا ينزل التجربة في مقام الانجاز المنتهي، بل يعيد فتحها على اسئلة الحاضر، ويضعها في تماس مباشر مع الأجيال الجديدة، في لحظة يصبح فيها الفن في أمس الحاجة الى ذاكرة نقدية لا تجمده، بل تفعله.
ما يميز هذه الدورة هو الإصرار على التعامل مع النحت والخزف بوصفهما ممارستين فكريتين قبل أن يكونا حرفا تقنية. المادة، في الأعمال المعروضة وفي النقاشات المصاحبة، لا تقدم كعنصر خاضع لإرادة اليد فقط، بل ككيان مقاوم، يفاوض الفنان ويقترح عليه امكاناته وحدوده.
هذا الوعي بالمادة تجلى في تنوع المقاربات التقنية: من الاشتغال على الاسمنت والحديد، الى الخزف باعتباره “فن النار”، حيث تتحول المصادفة واللايقين الى جزء من البناء الجمالي. هنا، لا يعود الشكل غاية في ذاته، بل نتيجة لمسار من الحوار بين الفكرة والخامة.
ما يميز الدورة الثانية هو انفتاح الملتقى على مشاركات دولية رهان المنظمين على تجاوز التصنيف الجغرافي، والانخراط في حوار عابر للثقافات. فاختلاف المرجعيات الجمالية والتقنية لم ينتج تباينا شكليا فقط، بل فتح النقاش حول مفاهيم مثل: الأصالة، الهوية، وحدود التأصيل في زمن العولمة البصرية.
وقد أظهرت الأعمال والحوارات المصاحبة أن النحت والخزف، رغم اختلاف السياقات، يشتركان في سؤال مركزي: كيف يمكن للفن ان يظل إنسانيا، في زمن تهيمن فيه السرعة والتقنيات الرقمية على أنماط التلقي؟
الملتقى كفضاء بيداغوجي
من أبرز رهانات هذه الدورة تحويل الملتقى إلى مختبر مفتوح، حيث يمتزج العرض بالتكوين في تجربة واحدة متكاملة. لم يكن حضور طلبة الفنون الجميلة شكليًا، بل شكّل جزءًا من رؤية تُؤمن بأن نقل التجربة هو شرط أساسي لاستمرار الممارسة الفنية وتطويرها.
لم تكتفِ الورشات والندوات بتقديم خلاصات جاهزة، بل كشفت عن الآليات الداخلية للعمل الفني: لحظات الشك، وفشل المحاولات، وإعادة التفكير في العلاقة بين الفكرة والشكل، لتبرز رحلة الإبداع بكل تحدياتها وصراعاتها وإصرارها على الإنجاز. ومن هذا المنطلق، تحوّل الملتقى إلى فضاء للتعلم النقدي، بعيدًا عن واجهات الاستعراض التقليدية، متيحًا للمتلقي فرصة الغوص في جوهر العمل الفني وفهمه بعمق.
التقى الفنانون المشاركون طلبة المدرسة العليا للفنون الجميلة في ورشة فنية، تشاركوا فيها الخبرات والمهارات، مؤكدين على رسالة الفن وأهميته كوسيلة للتفكير والتواصل والتأثير، ومبرزين كيف يمكن للفن أن يكون محفزًا للوعي والإبداع الشخصي والجماعي على حد سواء. سؤال الفضاء العام
أعاد الملتقى طرح السؤال الكبير حول حضور النحت والخزف في الفضاء العام، ليس كزينة سطحية، بل كخطاب بصري قادر على أن يولد معنى ويحفّز التأمل داخل المدينة. هذا السؤال يتجاوز حدود الفنان الفرد ليشمل السياسات الثقافية، ودور المؤسسات في دمج الفن ضمن المشاريع العمرانية، بما يعزز صلة المواطن بالفن والإبداع ويقوّي إحساسه بالانتماء إلى فضائه.
تؤكد الدورة الثانية لملتقى النحت والخزف بالدار البيضاء أن هذا الحدث لم يعد مجرد موعد دوري، بل أصبح منصة للتفكير في واقع الفن التشكيلي المغربي وموقع النحت والخزف في قلب التحولات المعاصرة للممارسة الفنية.
إنه ملتقى يراهن على الذاكرة من دون الانغماس فيها، وعلى التجريب من دون فقدان البوصلة، وعلى التكريم بوصفه فعلًا معرفيًا يربط الماضي بالحاضر، ويمنح الفن فرصته للتواصل مع أفقه الإنساني الأوسع، حيث يصبح الإبداع جسراً بين الزمن والمكان، بين الإنسان وروحه الجميلة.
طلبة المدرسة العليا للفنون الجميلة، برفقة كل من الفنانين العادي محمد، مصطفى الغزلاني، مصطفى بخشي، ومحمد غزولة.



إرسال التعليق