حين تُضيء الجماعات ترابها بذاتها: إداڭوڭمار بإقليم تيزنيت ترسم ملامح السيادة الطاقية بين ترشيد الاستهلاك وتوطين الطاقة الشمسية. بقلم: إبراهيم دودوش
حين تُضيء الجماعات ترابها بذاتها: إداڭوڭمار بإقليم تيزنيت ترسم ملامح السيادة الطاقية بين ترشيد الاستهلاك وتوطين الطاقة الشمسية.
بقلم: إبراهيم دودوش

في سياق عالمي يتسم بتسارع التحولات في مجال الطاقة، لم تعد الموارد الطاقية مجرد أدوات لتأمين الخدمات الأساسية، بل أضحت ركيزة استراتيجية تُقاس بها نجاعة السياسات العمومية، ومؤشراً حاسماً على قدرة الدول والجماعات الترابية على تحقيق استقلالها التنموي. وبين رهانات الأمن الطاقي والتحديات البيئية، يبرز الانتقال نحو الطاقات المتجددة كخيار حتمي، لا يقبل التأجيل.
ضمن هذا المشهد، تبرز الجماعة الترابية لإداڭوڭمار، التابعة لإقليم تيزنيت، كنموذج محلي واعد استطاع أن يخط لنفسه مساراً متدرجاً نحو تحقيق السيادة الطاقية، من خلال إعادة التفكير في تدبير مرفق الإنارة العمومية، والانتقال به من مجرد خدمة تقنية إلى ورش استراتيجي متعدد الأبعاد، يجمع بين النجاعة الطاقية والحكامة الجيدة والعدالة المجالية.
لقد شكلت الإنارة العمومية، لسنوات، عبئاً مالياً ثقيلاً على ميزانية الجماعة، حيث كانت تكاليف استهلاك الكهرباء تستنزف جزءاً مهماً من مواردها المحدودة، وهو ما دفع إلى فتح نقاش مؤسساتي جاد حول سبل ترشيد الاستهلاك وإيجاد بدائل مستدامة. وفي هذا الإطار، جاءت الدورة الاستثنائية للمجلس الجماعي المنعقدة بتاريخ 22 يونيو 2022، لتؤسس لمرحلة جديدة قوامها الانتقال نحو الطاقات المتجددة، عبر تبني مقاربة تشاركية مع جمعيات المجتمع المدني.
وقد تعزز هذا التوجه المحلي بانخراطه في سياق وطني داعم، خاصة مع صدور دوريتي وزارة الداخلية رقم 19324 و19325 بتاريخ 24 أكتوبر 2022، والمتعلقتين بترشيد استهلاك الكهرباء وتسريع الإجراءات المرتبطة بالإجهاد الطاقي، وهو ما وفر إطاراً مؤسساتياً محفزاً لتنزيل المشاريع الطاقية على المستوى الترابي.
كما ساهمت سلسلة من الاجتماعات التنسيقية، سواء على مستوى عمالة إقليم تيزنيت أو دائرة أنزي، في توحيد الرؤى وتعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، قبل أن يشكل الاجتماع الموسع المنعقد بتاريخ 10 نونبر 2022 بمقر الجماعة، بحضور السلطات المحلية وممثلي المجتمع المدني، محطة حاسمة تم خلالها التأكيد على ضرورة الانتقال من نموذج استهلاكي تقليدي إلى نموذج قائم على النجاعة الطاقية واستثمار الطاقات النظيفة.
وبعد استكمال مرحلتي التشخيص والتشاور، دخل المشروع مرحلة التنفيذ من خلال إطلاق طلب عروض وطني مفتوح رقم 07/2025، لاقتناء تجهيزات الإنارة العمومية بالطاقة الشمسية، بكلفة تقديرية بلغت 591.360,00 درهم. وقد تم اعتماد معايير تقنية دقيقة تراعي خصوصيات المجال القروي، من حيث التوزيع المجالي ونمط الاستهلاك، بما يضمن فعالية المشروع واستدامته.
وفي خطوة عملية تعكس الانتقال من التخطيط إلى الإنجاز، توصلت الجماعة يوم 07 أبريل 2026 بشحنة مهمة من معدات الإنارة العمومية الشمسية، بلغت 700 كشاف ضوئي من نوع LED، موزعة على 140 وحدة تجهيز، وهو ما سيمكن من توسيع نطاق التغطية وتحقيق قدر أكبر من العدالة المجالية بين مختلف دواوير الجماعة.
ويعتمد تنزيل هذا المشروع على نموذج تشاركي مبتكر، يقوم على إشراك جمعيات المجتمع المدني في تحديد أولويات التوزيع ونقط التثبيت، بما يعزز حكامة التدبير ويكرس الإحساس بالملكية الجماعية لهذا الورش التنموي.
ولا يقتصر هذا المشروع على تحسين جودة الإنارة العمومية فحسب، بل يتجاوز ذلك ليجسد تحولاً عميقاً في فلسفة التدبير الترابي، قائم على تقليص التبعية الطاقية، وخفض النفقات العمومية، وتعزيز الاعتماد على الطاقات النظيفة، بما يفتح آفاقاً جديدة أمام تنمية قروية مستدامة.
هكذا، تؤكد الجماعة الترابية لإداڭوڭمار، بإقليم تيزنيت، أنها ليست مجرد فاعل محلي يواكب التحولات، بل فاعل مبادر يساهم في صناعتها، من خلال نموذج ترابي متكامل يجمع بين الرؤية الاستراتيجية والنجاعة التقنية والانخراط المجتمعي، في أفق ترسيخ سيادة طاقية محلية حقيقية.



إرسال التعليق