المستجدات

حكاية قلب يبحث عن أمان في دفاتر الخذلان    بقلم : عبد الحق الفكاك

حكاية قلب يبحث عن أمان في دفاتر الخذلان    بقلم : عبد الحق الفكاك

في البدء كنا نُسلِّم قلوبنا للناس كما يُسلِّم الطفل يده لأمه، بلا خوفٍ ولا حساب ، كنا نظن أن العالم بسيط، وأن الوجوه مرايا صادقة لما تخفيه الصدور، وأن الكلمة عهد، وأن الوعد دين.

لكننا كبرنا قليلًا… فقط قليلًا… حتى اكتشفنا أن الزمان ليس كما تخيلناه، وأن القلوب ليست كلها بيضاء كما رسمتها أحلام الطفولة.

يمضي العمر، فنفهم متأخرين أن غدر الزمان لا يأتي دفعة واحدة، بل يتسلل إلينا على مهل، مثل بردٍ خفيّ يتسرّب من شقوق الروح.

يغيّر الناس من حولنا، أو يكشفهم كما هم، فنحتار:
هل تبدّلوا حقًا، أم أننا كنا ساذجين أكثر مما ينبغي؟
كم من يدٍ صافحناها بثقة، ثم اكتشفنا أنها كانت تخفي سكينًا من مصلحة.

وكم من قلبٍ حسبناه ملاذًا، فإذا به محطة عابرة نُستعمل فيها ثم نُنسى بحيث تنتهي العلاقة بانتهاء المصلحة.

فالزمان، حين يشتدّ عوده، لا يسرق منا الأشياء فقط، بل يسرق تلك البراءة الجميلة التي كانت تجعلنا نثق بلا خوف.

صرنا نحسب الكلمات قبل أن نقولها، ونزن الابتسامات قبل أن نبادلها ، دلك انه لم يعد القرب دليل محبة، ولا كثرة اللقاء علامة وفاء ، فالوجوه كثيرة… أما القلوب الصادقة فقلّة، كنجومٍ بعيدة تُرى ولا تُطال.

وفي زحام المصالح، تراجعت الثقة حتى غدت ترفًا لا يقدر عليه إلا الحالمون، فقد صار الحذر حكمة، والصمت نجاة، والانطواء درعًا.

لم نعد نخشى الأعداء بقدر ما نخشى أولئك الذين يجلسون معنا على الطاولة نفسها، ويعرفون عنا ما يكفي ليؤذونا إن شاؤوا.

ومع ذلك… لا نستطيع أن نعيش بلا ثقة، كما لا يستطيع الطائر أن يطير بجناحٍ واحد ، فلاعجب ان نستمر في رحلة البحث عن اصدقاء اكثر وفاء، ونحن ننكسر، ثم نحاول من جديد. نُخدع، ثم نُسامح ، وكأن القلب خُلق ليُلدَغ ويتعلم، لا ليقسو ويتحجر.

لعل الحكمة التي يمنحها لنا غدر الأيام ليست أن نغلق أبوابنا في وجه العالم، بل أن نحسن الاختيار ، وأن نقلّل الدوائر، ونُبقي القلة القليلة من الاصدقاء، عسى ان يبقى منهم من لا يتبدل حين تتبدل الفصول ، فليس المهم كثرة الاصدقاء من حولك، بل من صدق منهم معك.

وهكذا نمضي… ونحن نحمل في داخلنا أرشيفًا من الخيبات، لكنه يصقلنا بدل أن يهزمنا : بحيث صرنا مع مرور الوقت نتعلم أن الثقة لا تُعطى للجميع، وأن الوفاء عملة نادرة، وأن من يصون قلبك في زمن الفوضى هو كنز العمر كله.

فالزمان قد يغدر، والناس قد تتغير، لكن بكل تاكيد فإن داك الذي ينجح في ان يحافظ على إنسانيته وسط هذا الركام… بلا شك هو وحده الذي ينتصر.

إرسال التعليق

المقالات السابقة