المستجدات

*مؤسسة اقرأ بابن أحمد وتحدي القراءة العربي… نحو جيل قارئ وصناعة وعي متجدد.*

*مؤسسة اقرأ بابن أحمد وتحدي القراءة العربي… نحو جيل قارئ وصناعة وعي متجدد.*

في لحظة تربوية تتكثف فيها الدلالات، وتتشابك فيها الأبعاد التعليمية مع الرهانات الحضارية، احتضنت مؤسسة اقرأ بمدينة ابن أحمد الإقصائيات الداخلية لمسابقة تحدي القراءة العربي في دورتها العاشرة، ضمن الفئتين الأولى والثانية، في مشهد يعكس تحوّلًا نوعيًا في تمثل القراءة داخل الفضاء المدرسي… حيث لم تعد مجرد نشاط تكميلي عابر، وإنما أضحت رافعة مركزية لإعادة تشكيل العلاقة بين المتعلم والمعرفة، وبين المدرسة ووظيفتها التكوينية.

لا شك أن هذا الحدث التربوي يندرج ضمن سياق أوسع، يتصل بإعادة الاعتبار للقراءة بوصفها مدخلًا استراتيجيًا لبناء الإنسان القادر على الفهم والتحليل والاستيعاب، حيث إن التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم تفرض نمطًا جديدًا من التعلم، قائمًا على المبادرة الذاتية، والتفكير النقدي، والقدرة على إنتاج المعنى… ومن ثم، فإن تنظيم هذه الإقصائيات داخل مؤسسة اقرأ يعكس وعيًا مؤسساتيًا متقدمًا، يستحضر طبيعة المرحلة، ويستجيب لمتطلباتها برؤية استشرافية تتجاوز اللحظة الراهنة إلى ما بعدها.

لقد تحولت قاعات المؤسسة، خلال هذه المحطة، إلى فضاءات نابضة بالحياة الفكرية، حيث تنافس التلاميذ في عرض خلاصات قراءاتهم، وتقديم مضامينها بأساليب تجمع بين الدقة والوضوح، وبين العمق والسلاسة، في تجلٍّ واضح لنضج مهاراتهم التعبيرية، وتطور قدراتهم التحليلية… إذ إن قراءة أكثر من خمسين مؤلفًا، ثم تلخيصها، ثم الدفاع عن مضامينها أمام لجنة تحكيم، يشكل مسارًا معرفيًا متكاملًا، يتطلب جهدًا متواصلًا، وانضباطًا ذاتيًا، واستثمارًا واعيًا للزمن.

وعلاوة على ذلك، فإن إشراف لجنة تحكيم خارجية على هذه الإقصائيات يضفي على الحدث طابعًا احترافيًا، ويكرس مبدأ التقييم الموضوعي القائم على معايير دقيقة، حيث إن حضور كفاءات مستقلة يضمن مصداقية النتائج، ويمنح التلاميذ فرصة الاحتكاك بخبرات متنوعة، قادرة على توجيههم وتقويم أدائهم… وبالتالي، فإن هذه التجربة تندرج ضمن دينامية تربوية تسعى إلى الارتقاء بجودة الأنشطة الموازية، وتحويلها إلى مختبرات حقيقية لصقل الكفايات.

ومن المؤكد أن ما أبان عنه المشاركين من قدرات على الإقناع، ومن مهارات في التواصل، ومن تمكن في بناء الخطاب، يعكس تحولًا عميقًا في بنية التعلم، حيث لم يعد المتعلم متلقيًا سلبيًا، وإنما أصبح فاعلًا منتجًا للمعرفة، قادرًا على مساءلة النصوص، وتحليل مضامينها، وإعادة تركيبها في صيغ تعبيرية متماسكة… وهو ما ينسجم مع التوجهات الحديثة في التربية، التي تجعل من المتعلم محور العملية التعليمية، ومن الكفايات هدفًا أساسيا للتكوين.

كما أن هذا التميز الذي أبان عنه التلاميذ لا يمكن فصله عن الجهود المبذولة من طرف الأطر التربوية والإدارية، التي واكبت هذا المشروع القرائي منذ بدايته، وساهمت في تأطير المتعلمين، وتحفيزهم، وتوجيههم نحو اختيار الكتب، وفهم مضامينها، وصياغة خلاصاتها… حيث إن نجاح مثل هذه المبادرات رهين بتكامل الأدوار، وانخراط مختلف الفاعلين في تحقيق الأهداف المسطرة.

ومن زاوية أخرى ؛يمكن القول إن مثل هذه التظاهرات القرائية تفتح أفقًا جديدًا أمام المدرسة المغربية، أفقًا قائمًا على ترسيخ ثقافة القراءة، وتعزيز مكانة الكتاب في حياة الناشئة، وإعادة الاعتبار للفعل المعرفي باعتباره أساسًا لكل تنمية مستدامة… حيث إن الاستثمار في القراءة هو استثمار في المستقبل، وبناء للإنسان القادر على مواجهة التحديات، والتفاعل مع التحولات، والمساهمة في بناء مجتمع المعرفة.

لذلك، فإن ما تحقق داخل مؤسسة اقرأ بابن أحمد خلال هذه الإقصائيات لا يمكن اعتباره مجرد نجاح مرحلي، وإنما هو مؤشر واضح على بداية تشكل وعي جديد، وملامح مشروع تربوي واعد، يؤمن بأن القراءة ليست ترفًا ثقافيًا، وإنما ضرورة حضارية، وركيزة أساسية لبناء مجتمع متوازن ومستنير… ومن ثم، فإن الرهان الحقيقي يكمن في استمرارية هذا المسار، وتوسيعه، وتعزيزه بمبادرات مماثلة، قادرة على ترسيخ هذا التحول، وجعله خيارًا استراتيجيًا دائمًا.

وبالتالي، فإن تحدي القراءة العربي، في دورته العاشرة، داخل مؤسسة اقرأ، لا يمثل فقط محطة تنافسية، وإنما يشكل لحظة تأسيسية في مسار بناء جيل قارئ، جيل يمتلك أدوات الفهم، ويجيد التعبير، ويؤمن بأن الكتاب هو المفتاح الأول لكل نهضة… وأن القراءة، في عمقها، هي فعل تحرير، وبداية لكل تغيير.

إرسال التعليق

المقالات السابقة