المستجدات

حين تصبح الطيبة مخاطرة.                            بقلم : عبد الحق الفكاك

حين تصبح الطيبة مخاطرة.                            بقلم : عبد الحق الفكاك

لم يعد الإنسان في هذا العصر يخاف الوحوش بقدر ما يخاف البشر ، فالوحش، على الأقل، واضح النوايا؛ يظهر أنيابه قبل أن يهجم.

أما الإنسان المعاصر، فقد تعلّم كيف يخبئ مخالبه تحت قفازات الحرير.

نعيش زمنًا تبدلت فيه القيم بهدوء، دون ضجيج أو إعلان ، زمنًا صارت فيه المجاملات عملة متداولة أكثر من الصدق، وصار القرب وسيلة لا غاية، والمودة جسرًا للمصلحة لا رابطة إنسانية خالصة.

في الشارع، في العمل، في محيط العلاقات اليومية، تتكاثر الابتسامات كما تتكاثر اللافتات الإعلانية: كثيرة، لامعة، لكنها بلا مضمون.

الجميع يحيّيك بحرارة، يناديك بـ”الصديق”، ويؤكد لك أنك “عزيز”، لكنك تشعر – في مكان خفي من روحك – أن الكلمات لا وزن لها، وأنها تُقال لأي أحد، في أي وقت، بلا التزام حقيقي.

لقد أصبح التمثيل مهارة اجتماعية، وصار إخفاء النوايا نوعًا من الذكاء.

أما الصراحة، فتوصف بالسذاجة ، والطيبة، تُصنَّف ضعفًا.

وهنا تبدأ المأساة الصامتة.
حين يصرّ إنسان ما على الاحتفاظ بقيمه القديمة – الاحترام، النبل، تجنب الأذى – يجد نفسه غريبًا في محيط لا يعترف إلا بالدهاء.

يصمت كي لا يجرح، فيُفهم صمته خوفًا , ويتسامح كي لا يخسر أحدًا، فيُفسَّر تسامحه ضعفًا ، بل قديبتعد عن الصراعات، فيُتهم بالعجز.

وهكذا يتحول، دون أن يدري، إلى فريسة سهلة في أعين أولئك الذين اعتادوا اقتناص كل ما هو نقي.

المفارقة المؤلمة أن المشكلة لا تكمن في قسوة العالم فقط، بل في اختلاط المعايير، إد لم نعد قادرين على التمييز بين الصديق الحقيقي والعابر المؤقت، بين من يقترب منك حبًا، ومن يقترب منك طمعًا.

تتسع دائرة الشك شيئًا فشيئًا.
تبدأ بالغرباء، ثم تمتد إلى المعارف، ثم – على استحياء موجع – تطرق أبواب القريبين.
وحين يصل الارتياب إلى البيت نفسه، إلى المساحة التي يفترض أن تكون ملاذًا آمنًا، يشعر الإنسان وكأنه فقد آخر حصونه.

حينها لا تكون الوحدة غياب الناس، بل حضورهم بلا روح ،كأن تجلس وسط الجمع وتشعر بأنك خارج الصورة، وأن تتكلم ولا يسمعك أحد حقًا.

ويحدث أن تضحك مجاملة، بينما قلبك مثقل بأسئلة لا تجد لها جوابًا .
فالإنسان، مهما ادّعى الصلابة، كائن هشّ من الداخل ..خُلق ليأنس، لا ليقاتل وحده، ليشارك، لا ليحتمي دائمًا.

وفي لحظة إنهاك قصوى، حين تظن أن العلاقات كلها متشابهة، وأن الأقنعة صارت القاعدة، يفاجئك الاستثناء.

شخص واحد فقط…
لا يتقن التمثيل، ولا يبالغ في الكلام، لكنه يبقى ..يبقى حين يرحل الآخرون.

يسأل حين يصمت الجميع ..يمد يده دون شروط، فترتبك داخلك مشاعر منسية، وتدرك فجأة أن العالم لم يخلُ تمامًا من الخير، وأن الضوء، وإن خفت، لم ينطفئ.

عندها تفهم درس الحياة الأصدق:
ليست القرابة بالدم دائمًا ضمانًا للدفء، وليست الغربة دائمًا برودة ،فبعض الإخوة تصنعهم الشدائد، وتوقّع أسماءهم على قلوبنا المواقف لا الأنساب.

هؤلاء وحدهم يمنحون للحياة معناها الحقيقي ، نعم ، هؤلاء يثبتون أن الإنسانية ما تزال ممكنة، رغم كل شيء.

ربما أصبح الزمن أكثر قسوة، وربما كثرت الأقنعة، لكن القلب الصادق – حين يظهر – يعيد ترميم ما هدمته الخيبات.

وفي النهاية، لا يحتاج الإنسان إلى جموع تحيط به، يكفيه قلب واحد…صادق، ثابت، يشبه الوطن.

إرسال التعليق

المقالات السابقة