السماء تمتلئ بالطائرات… والأرض تستعد للأسوأبقلم : عبد الحق الفكاك
السماء تمتلئ بالطائرات… والأرض تستعد للأسوأبقلم : عبد الحق الفكاك
تشير المعطيات العسكرية المتداولة إلى حشدٍ غير مسبوق لقدرات قتالية أمريكية متقدمة، وُضعت في نطاق عملياتي يسمح بتنفيذ ضربات دقيقة ضد إيران في زمن قياسي.
فقد جرى نشر كميات هائلة من الأسلحة، وتحريك طائرات متطورة من طرازات نوعية، في مقدمتها مقاتلات الشبح «إف-35»، وطائرات النقل الإستراتيجي «سي-17»، إلى جانب طائرات التزود بالوقود جوًا، ما يعكس استعدادًا لعمليات بعيدة المدى ومعقدة.
وقد تمركز جزء كبير من هذه القدرات في قاعدة دييغو غارسيا بالمحيط الهندي، وهي قاعدة لطالما شكّلت ركيزة أساسية في تعزيز النفوذ العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط والتحكم في مساراته الإستراتيجية.
في هذا السياق، يصعب تصور تراجع أمريكي دون تحقيق إنجاز ملموس، سواء كان عسكريًا أو سياسيًا.
فالإدارة الأمريكية، ولا سيما في ظل قيادة تسعى إلى ترسيخ صورة الحزم والقدرة على فرض الإرادة، تدرك أن أي تراجع غير مشروط قد يُفسَّر داخليًا وخارجيًا بوصفه إضعافًا للهيبة الأمريكية وتقويضًا لصورة الردع التي تحاول واشنطن الحفاظ عليها في منطقة شديدة الحساسية والتعقيد.
وتتعزز احتمالات الضربة العسكرية بالنظر إلى طبيعة المطالب الأمريكية نفسها، إذ تبدو هذه الشروط، من زاوية طهران، شبه مستحيلة القبول سياسيًا وأيديولوجيًا.
فإيران تنظر إلى الاستجابة لتلك المطالب باعتبارها مساسًا بجوهر مشروعها السيادي والإقليمي، وهو ما يجعل هامش التسوية الدبلوماسية ضيقًا للغاية، إن لم يكن منعدمًا في المرحلة الراهنة.
هذا التباعد الحاد في المواقف يجعل خيار العمل العسكري أكثر ترجيحًا من أي وقت مضى.
وقد عبّرت إيران، بشكل متكرر، عن رفضها تلبية المطالب الأمريكية، مستعملةً في الغالب منصات التواصل الاجتماعي كقناة غير مباشرة للتواصل السياسي، في ظل غياب العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين البلدين.
هذه الرسائل، وإن بدت رمزية في ظاهرها، إلا أنها تحمل دلالات سياسية واضحة تعكس انسداد الأفق التفاوضي.
أما على مستوى الدول العربية والإسلامية، فإن المواقف تتسم بالحذر والترقب.
فالدول العربية، خاصة تلك الواقعة في محيط التوتر المباشر، تخشى أن يؤدي أي صدام عسكري واسع إلى زعزعة أمنها الداخلي، وتعطيل الملاحة البحرية، وتهديد إمدادات الطاقة، فضلًا عن انعكاساته الاقتصادية الثقيلة.
في المقابل، تلتزم دول أخرى موقف الصمت أو الحياد الحذر، سعيًا إلى تجنب الانخراط في صراع قد يتجاوز حدود السيطرة.
في العالم الإسلامي الأوسع، يبرز القلق من أن تتحول الحرب المحتملة إلى عامل جديد لتأجيج الانقسامات، وتوسيع رقعة عدم الاستقرار، في وقت تعاني فيه المنطقة أصلًا من أزمات سياسية واقتصادية متراكمة.
كما أن أي مواجهة مباشرة قد تُعيد رسم التحالفات، وتفرض على العديد من الدول مواقف قسرية بين ضغوط الحليف الأمريكي وحسابات الرأي العام الداخلي.
في المحصلة، فإن اندلاع حرب بين الولايات المتحدة وإيران لن يظل محصورًا في إطار ثنائي، بل ستكون له تداعيات إقليمية ودولية واسعة، تمسّ أمن المنطقة، واستقرار أسواق الطاقة، وتوازنات القوى في العالمين العربي والإسلامي.
وهو ما يجعل المنطقة تقف، مرة أخرى، على حافة سيناريو مفتوح على كل الاحتمالات، في انتظار قرار قد يغيّر مسارها لسنوات قادمة.



إرسال التعليق