بقلم- الأستاذ مصطفى بخشي…رحلة إلى قلب معاصر الزيتون بقلعة السراغنة: بين جودة “زيتون الحوز” وتحديات الجفاف وهجرة اليد العاملة
رحلة إلى قلب معاصر الزيتون بقلعة السراغنة:
بين جودة “زيتون الحوز” وتحديات الجفاف وهجرة اليد العاملة
بقلم: ذ. مصطفى بخشي
في صباح خريفي يلفّه بردٌ ناعم وتفوح منه رائحة الأرض المبتلة بشهيق الفجر، انطلقتُ رفقة الجار والصديق الطيب كريم عبروت في رحلة محمّلة بالفضول نحو إحدى معاصر الزيتون بقلعة السراغنة. كان الهدف بسيطاً في ظاهره: البحث عن زيت زيتون أصيل يليق بسمعة “زيتون الحوز”، هذا الرمز العريق من رموز الهوية الفلاحية للمنطقة. غير أن الزيارة سرعان ما تحوّلت إلى نافذة واسعة على عالم الفلاحين وتحدياتهم اليومية، وعلى واقع قطاع يختزن الكثير من الأسرار والخبايا.
تنوّع أصناف الحوز… زيت يروي حكاية الأرض
داخل المعصرة، استقبلنا الحاج عبد الرحمن أبو رزق وابنه عبد العزيز بترحاب أصيل، وشرعا في شرح مفصل لأصناف الزيتون المنتشرة في الحوز: الزيتونة البيضاء، الحمراء، السوداء، الزيتون البلدي، إلى جانب الأصناف المحسّنة التي ازدهرت في أحواض المنطقة. هذا التنوع ليس مجرد اختلاف في الشكل أو اللون، بل هو سرّ النكهة وجودة الزيت، إذ يؤثر على نسبة المادة الجافة، كمية الزيت المستخرجة، وخصائصه الحسية المعتمدة في المختبرات المتخصصة.
ويمتاز زيت الحوز، من الناحية العلمية، بنسبة عالية من الأحماض الدهنية الأحادية غير المشبعة، وعلى رأسها حمض الأولييك المفيد للقلب، إضافة إلى تركيز مهم من البوليفينولات—مضادات الأكسدة التي تمنح زيت الزيتون سمعته الصحية والعلاجية.
ورغم حداثة التقنيات ووفرة المعروض، ما يزال “الزيت البلدي” يحتفظ بمكانة خاصة في قلوب المغاربة، الذين يقصدون المعاصر التقليدية والحديثة في كل موسم ليطمئنوا على جودة الزيت ومصدره. إنه بحث جماعي عن طعم يختزن ذاكرة الأرض والشجر، وعن علاقة متجذرة بين الإنسان وغذائه.
الجفاف… التحدي الأكبر
لكن خلف هذا الثراء الطبيعي، يلوح خطر يزداد حدّة كل عام: الجفاف. فقد أكد الحاج عبد الرحمن أن مستوى السطح المائي تراجع بشكل مقلق، بعدما كان قريباً لم يعد الوصول إليه اليوم ممكناً إلا على عمق أكبر. أثر ذلك واضح على أشجار الزيتون التي تقلص حجم ثمارها، وانخفضت نسبة الزيت فيها، بينما ارتفعت تكاليف السقي إلى مستويات غير مسبوقة. وتشير تقديرات خبراء الزراعة إلى أن الجفاف قد يؤدي إلى تراجع الإنتاج بنحو 40% في بعض الضيعات، وهو ما شهدته بالفعل عدة مناطق هذا الموسم.
هجرة اليد العاملة… أزمة أخرى
وإن كانت الطبيعة تقسو، فإن العامل البشري بدوره يتراجع. فالهجرة المتزايدة للشباب نحو المدن أو خارج الوطن خلّفت خصاصاً حاداً في اليد العاملة. ومع حلول موسم الجني، يجد الفلاحون أنفسهم أمام سباق مع الزمن لجمع المحصول قبل فساده، فتتعرقل العملية ويضيع جزء من الإنتاج، ما يؤدي في النهاية إلى ارتفاع سعر الزيت ويزيد من عبء المستهلك العادي.
الحاج عبد الرحمن أبو رزق… نموذج الفلاح الأخلاقي
من أبرز ملامح هذه الزيارة، شخصية الحاج عبد الرحمن أبو رزق، صاحب المعصرة، الذي جمع في مسيرته بين الخبرة الفلاحية والروح الإنسانية. خبرته الممتدة بين المغرب والمملكة العربية السعودية مكّنته من إقامة مشاريع فلاحية ناجحة بالقلعة، جعلته من الداعمين الأساسيين لأهل المنطقة. فهو لا يكتفي بتوفير زيت عالي الجودة، بل يسهم أيضاً في خلق فرص عمل للشباب، مؤمناً بأن “البركة أساس النجاح، وأن خدمة الناس واجب قبل أن تكون تجارة”. وإلى جانبه يقف الابن عبد العزيز، مواصلاً حمل المشعل، حريصاً على القيم التي ورثها عن والده.
زيارة تكشف قيمة الشجرة المباركة
كانت هذه الزيارة أكثر من مجرد بحث عن زيت زيتون؛ كانت رحلة إلى نبض الأرض وذاكرة المكان. فقد اكتشفنا من خلالها قوة الشجرة المباركة وصمودها رغم قسوة المناخ وندرة المياه وتراجع اليد العاملة. ورأينا كيف تستمر في العطاء، شامخة، كشاهد على تاريخ طويل من الصبر والعمل.
ما يزال سكان قلعة السراغنة يضعون ثقتهم في هذه الشجرة التي ظلّت عبر القرون رمزاً للبركة والاستقرار، وزيتاً يضيء موائدهم، ويرتبط في وجدانهم قبل حقولهم. إنها إرث يتناقله الآباء للأبناء كما تُورَّث القيم والحكمة.
ونسأل الله أن يديم على أهل المنطقة خير هذه الشجرة وبركتها، وأن يحفظ هذا التراث الفلاحي العريق، ليبقى ذخراً للأجيال القادمة، وجسراً يصل بين الماضي والمستقبل.



إرسال التعليق