المستجدات

شباب المدن المغربية بين عطالة الأمل وتجاهل الأعيان

شباب المدن المغربية بين عطالة الأمل وتجاهل الأعيان

بقلم: عبد الحق الفكاك

كلما زرت مدينة مغربية ووقفت على مؤهلاتها الطبيعية، وتعرفت على رجالاتها وأطرها وكفاءاتها، إلا وجرحني المشهد الأكثر قسوة: شباب في عمر الزهور، من أصحاب الشهادات والسواعد، تتقاذفهم أمواج البطالة والحرمان.

مشهد يتكرر في كل مكان، في مدن كبرى وصغرى، دون أن يكون له مبرر منطقي سوى استقالة ضمير المجتمع وغياب حس المسؤولية الجماعية.

الغريب أن هذه الظاهرة تتفاقم رغم أن معظم المدن لا تفتقر إلى التجار ورجال الأعمال والميسورين.

ففي الدار البيضاء مثلًا، القلب الاقتصادي للمغرب، حيث تتركز كبريات الشركات والمصانع، تجد الآلاف من الشباب يتسكعون في الشوارع أو يقضون نهارهم في المقاهي، عاجزين عن ولوج سوق الشغل رغم قربهم من مراكز القرار.

أما في فاس، المدينة العريقة ذات التاريخ الجامعي والعلمي، فإن المئات من خريجي جامعة القرويين ومؤسسات التعليم العالي يعيشون مرارة البطالة، بينما يمكن بسهولة استثمار مؤهلاتهم في مشاريع ثقافية وسياحية تجعل المدينة قبلةً للازدهار.

وفي طنجة، بوابة المغرب على أوروبا، ورغم المشاريع الصناعية الكبرى والميناء الضخم، لا يزال جزء مهم من شباب الأحياء الشعبية يعاني التهميش، وكأن هذه المشاريع العملاقة صُممت لتخدم غيرهم.

بل إن بعض هؤلاء الشباب، إذا حاولوا إنشاء نشاط تجاري بسيط في الأسواق أو الأرصفة، يجدون أنفسهم أمام مطاردة السلطات التي تصادر بضاعته وتتهمه باحتلال “الملك العام”!

كم من شركة كان يمكن أن ترى النور لو اجتمع بعض المستثمرين لتوظيف طاقات الخريجين فيما درسوه بالجامعات؟ وكم من ورشة مهنية أو علمية كان يمكن أن تُفتح لو وُجدت مبادرات حقيقية من الأعيان، بدل ترك الكفاءات تذبل واقفة كالأشجار اليابسة؟ لكن بدلاً من ذلك، يواجه الشباب جدارًا من الرفض، وكأنهم عبء ثقيل على وطنهم بدل أن يكونوا عماده.

أما المشهد الأكثر مرارة، فهو ما نراه اليوم في المقاهي.

في الماضي، كانت فضاءات يجتمع فيها المتقاعدون لتمضية الوقت، أما الآن فقد تحولت إلى فضاءات مكتظة بالشباب اليائس.

في وجدة مثلاً، تكاد الأزقة تمتلئ بالمقاهي أكثر من المكتبات أو مراكز التكوين، حتى غزت كراسيها الأرصفة والممرات.

وكأن قدر شبابنا أن تتحول حياتهم إلى جلوس دائم بين طاولات القهوة بدل ورشات العمل.

هل وصل شبابنا إلى درجة من “اللاجدوى” جعلت أغنياء البلد يحكمون عليهم بالموت البطيء؟ وهل يعقل أن يكون الرد الجاهز عند كل محاولة للبحث عن فرصة: “اذهب عند الدولة فهي المسؤولة عن تشغيلك”؟

ثم، ماذا لو لم ينجح الشاب في مباراة التوظيف، إما بسبب الشروط التعجيزية أو كثرة المتبارين أو ببساطة لأن الحظ لم يحالفه في “القرعة”؟

إن الأزمة هنا ليست أزمة شباب فقط، بل هي أزمة مجتمع برمته. مجتمع فقد توازنه حين ترك طاقاته الحية عرضة للضياع، وأهدر فرص التنمية الممكنة.

والنتيجة شباب بلا أفق، وأعيان بلا رؤية، ومدن تكتفي بتزيين واجهتها بالمقاهي بدل المصانع والمبادرات الإنتاجية.

لقد آن الأوان لإعادة طرح السؤال بصوت عالٍ: أليس في مقدور الميسورين من أبناء كل مدينة أن يلتفتوا إلى شبابها؟

أليس من واجبهم، أخلاقيًا وإنسانيًا، أن يخلقوا المشاريع التي تعطي معنى للحياة بدل أن يكتفوا بالفرجة على معاناة العاطلين؟

إنها صرخة نضعها اليوم أمام كل من يملك القدرة والإمكانات، صرخة لعلها توقظ الضمائر قبل أن تتحول المدن إلى مقابر مفتوحة لأحلام جيل بأكمله.

إرسال التعليق

المقالات السابقة