المستجدات

وجدة تبحث عن نفس جديد… خدمات متعثرة وفرص محدودة

وجدة تبحث عن نفس جديد… خدمات متعثرة وفرص محدودة     آية مزوار / ماپ 24

إذا كانت الجغرافيا قد وضعت مدينة وجدة في موقع “عاصمة الشرق”، فإن الواقع اليومي يضع ساكنتها أمام “امتحان صمود” مرير، فبين حافلات تخذل المواعيد، ومنظومة صحية ينهكها الضغط، وشبح بطالة يطارد الخريجين، تجد الفئات الهشة والطبقة المتوسطة نفسها في مواجهة مباشرة مع صعوبات لم تعد تتقبل أنصاف الحلول.

لم يعد ملف النقل الحضري بوجدة مجرد نقاش في ردهات المجلس البلدي، بل أصبح كابوسا يوميا يطارد آلاف الطلبة والموظفين، حيث يختصر المشهد في محطات الانتظار الحكاية بوجوه أرهقها الوقوف لساعات، وأسطول حافلات يئن تحت وطأة التقادم والأعطاب الميكانيكية المتكررة. إن الحافلات التي تجوب شوارع المدينة لم تعد تكفي لاستيعاب التوسع العمراني، مما يحول الرحلة نحو جامعة محمد الأول أو الأحياء البعيدة إلى تجربة مهينة، حيث تكتظ العربات بما يفوق طاقتها وسط غياب تام لظروف الراحة أو السلامة، كما تعاني الأحياء الهامشية من شلل في التنقل بسبب غياب الخطوط المنتظمة، مما يترك المواطن فريسة لأصحاب “النقل السري” أو سيارات الأجرة التي تنهك جيوب الساكنة المثقلة أصلا بتداعيات الركود الاقتصادي.

وعلى مقربة من أزمة الطريق، يبرز قطاع الصحة كجرح آخر لا يقل إيلاما، فرغم فخامة المنشآت، إلا أن الخدمة الصحية تصطدم بواقع مرير يفرضه الضغط الهائل، حيث أصبحت عبارة “سير حتى يعيطوا لك” هي السائدة، ويضطر المريض في وجدة لانتظار شهور طويلة من أجل إجراء فحص بالأشعة أو عملية جراحية، وهو وقت ضائع قد يكلف الكثير من الأرواح.

ويجد المستشفى الجامعي بوجدة نفسه وحيدا في مواجهة تدفق المرضى من أقاليم الجهة الشرقية برمتها، من فكيك إلى الناظور، مما حول المستعجلات إلى بؤر للاكتظاظ وجعل الأطر الطبية عاجزة عن تقديم جودة الخدمة المرجوة في ظل نقص الإمكانيات.

وفي الوقت الذي يغص فيه المستشفى الجامعي بالحالات البسيطة، تعاني مستوصفات الأحياء من خصاص حاد في الأدوية والتجهيزات، مما يعمق الفجوة بين المواطن وحقه في العلاج.

هذه الأزمات الخدمية تتقاطع مع معضلة اجتماعية أعمق تتمثل في استفحال ظاهرة البطالة، التي باتت تنخر جسد المدينة وتستنزف طاقاتها الشابة. فمنذ إغلاق الحدود وما أعقبه من ركود تجاري، فقدت المدينة ركيزتها الاقتصادية دون توفير بدائل صناعية أو استثمارية حقيقية قادرة على امتصاص أفواج الخريجين الذين تضخهم جامعة محمد الأول أو المدارس العليا سنويا.

هذا الفراغ المهني حول مقاهي المدينة إلى ملاذ للمئات من حاملي الشهادات المعطلين، ودفع بالكثيرين منهم نحو مغامرات “قوارب الموت” أو الهجرة الداخلية بحثا عن لقمة العيش، في ظل نسيج مقاولاتي محلي يجد صعوبة في الصمود أمام غياب التحفيزات الكبرى وتراجع الرواج التجاري.

إن ما تعيشه وجدة اليوم في قطاعات النقل والصحة والتشغيل ليس مجرد أزمات عابرة، بل هو خلل بنيوي يتطلب تدخلات عاجلة تقطع مع لغة الوعود. فالساكنة التي صمدت طويلا أمام التحولات الجيوسياسية، تجد نفسها اليوم تطالب بالكرامة في أبسط تجلياتها: حافلة محترمة تنقل الطالب، وسرير طبي يستقبل المريض، وفرصة شغل تحفظ ماء وجه الشاب الخريج.

إن المدينة لا تحتاج اليوم إلى شعارات، بل إلى إرادة سياسية تعيد الروح لمرافقها الحيوية ومحركاتها الاقتصادية، وتصالح المواطن مع مدينته التي تستحق مستقبلا أفضل من واقعها الراهن.

إرسال التعليق

المقالات السابقة